أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )

354

رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا

وأمره أن يتّخذ بطانة سليمة من المعايب ، قويمة المسالك والمذاهب ، يتقابل حسن المشهد منها بالمغيب ، ويزيّنها من الأمور ما يوجبه بعدها في النّصيحة مما يتّهم ويريب ، ويتخّيّر لكتبته وحجبته من يلتزم شروط النّزاهة والعفّة ، ويقصد صدّ حرصه عن كلّ مطعم وخيم وكفّه ، ويكفى المهمّ في ضمن حسم كلّ طمع يطلق فيه لسانه أو يمدّ إليه كفّه ، ومن يثق منه بمرضيّ خليقة وطريقة ، ومن يكون عتيق أسر كلّ هوى وطليقه ، فمن ألفاه للأمانة مؤدّيا ، وبادّراع أثواب الصّيانة معيدا مبديا ، وللصحيح على المحال في كلّ حال معديا ، قابله باشتمال يجنى منه ثمر ما غرس ، ويدني له المرام في كلّ ما وقى نظامه من الخلل وحرس ، فتضاعف ( 125 أ ) استبصاره مما يحمد منه ويرضى ، ويحكم له فيه بالتّوفيق ويقضى ، ومن رآه لمحجّة الرّشد مجتنبا ، ولقبح الذّكر مجتلبا ، ولسنيّ الأفعال مرتكبا [ 1 ] ، أبعده عنه ونفاه ، واستبدل به من وجد الحظّ في استحقاقه وألفاه ، بلا اعتضاد بمن ضلّ عن الطّريق المهيع [ 2 ] ، وظلّ في العدول عن سواء السّبيل سيىء المصرع ، قال الله تعالى : وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [ 3 ] . هذا ما عهد أمير المؤمنين إليك ، والحجّة لك وعليك ، قد أوجدك فيه ضوالّ المنى بما [ 4 ] ينجد ذكره في الأرض ويغور ، وأنجدك بما طوّقته من قلائد الفخر ، بما تغدو الميامن به لديك باسمة الثغور ، وخصّك في مطاويه من جمل التّجميل وفصوله بما أفردك فيه بأعلى المنازل وأوردك منه أحلى المناهل ، وأهاب بك إلى رتبة تنفي الغير أن تلمّ بها وتهاب ، ويهب لك فيها من نسيم العزّ ما تضحي الصّنيعة ( 125 ب ) عندك سابغة الأهداب ، وبصّرك في أثنائه من مراشد أمرك مما عدقه به وناطه ، وأوضح لك فيه لوازم القيام به وأشراطه ، ما يقود إليك عنان التّوفيق في العمل بما رسم وحدّ ، وأضفى به عليك ظلّ البينة ومدّ ، وفوّض إليك تدبيره بصائب الآراء المنجية من مهاوي الزّلل ، ونبّهت في ضمنه على اهتداء يوقظ

--> ( 1 ) سورة المائدة : 2 . ( 2 ) مجتويا : متكرها . انظر : الجوهري ، الصحاح ، ج 6 ، ص 2306 ، مادة جوا . ( 3 ) في الأصل : الحظ . ( 4 ) سورة الجمعة : 9 .